ديسمبر 23, 2024 syr data

سوريا في اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة: الصمت الجارح لا يزال سيد الموقف

في كل عام، يحيي العالم في الخامس والعشرين من تشرين الثاني اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، مناسبة تُذكر بمآسي لا تزال تلاحق نساء كثيرات في جميع أنحاء العالم. وفي سوريا، حيث خلفت الحرب أكثر من عقد من الدمار، يبدو هذا اليوم أشبه بنداء استغاثة جماعي تطلقه آلاف النساء السوريات ممن ذقن أشكالًا متعددة من العنف، ولا يزلن يصارعن بصمت أو تحت القهر المجتمعي والسياسي.

المرأة السورية بين الحرب والعنف المنزلي

منذ اندلاع النزاع المسلح عام 2011، لم تعد المرأة السورية ضحية صامتة للعنف الأسري فقط، بل أصبحت أيضًا هدفًا مباشرًا في ساحة المعركة. فالعديد من النساء تعرضن للاعتقال، والتعذيب، والعنف الجنسي على يد أطراف مختلفة في النزاع، إضافة إلى النزوح القسري، وفقدان المعيل، والحرمان من التعليم، والعمل، والخدمات الأساسية.

وتقول “سناء” (اسم مستعار – 36 عامًا)، وهي نازحة من الغوطة الشرقية وتقيم في أحد مخيمات إدلب:
“عشتُ أربع سنوات في القبو تحت القصف، ثم فقدتُ زوجي، واضطررت للعمل في ظروف قاسية لإطعام أطفالي. في المخيم، لا أمان، ولا خصوصية، ولا حماية من تحرش أو ابتزاز.”

ولا تقتصر المأساة على مناطق النزاع. حتى في المدن المستقرة نسبيًا، لا تزال النساء يواجهن عنفًا ممنهجًا داخل الأسرة أو المجتمع، في ظل غياب قوانين تحميهن أو منظومة قضائية تنصفهن.

تقول “ريم” من دمشق (28 عامًا):
“تعرضتُ للضرب من زوجي مرارًا، وعندما لجأتُ إلى الشرطة، قالوا لي: هذا شأن عائلي. إذا اشتكيتِ، قد يأخذ أطفالك منك.”

أرقام صادمة وموارد شحيحة

بحسب تقرير أصدره “المرصد السوري لحقوق الإنسان” بالتعاون مع هيئات نسوية مستقلة عام 2024:

  • 40% من النساء السوريات تعرضن لشكل من أشكال العنف الجسدي أو النفسي.

  • نسبة الزواج المبكر ارتفعت إلى 46% في بعض المناطق بسبب الفقر والخوف.

  • 7 فقط من بين كل 100 حالة عنف يتم التبليغ عنها رسميًا.

  • الغالبية الساحقة من الناجيات يفتقرن للدعم القانوني أو النفسي.

غياب التشريعات ووصمة الصمت

رغم توقيع سوريا على عدد من الاتفاقيات الدولية التي تنص على حماية النساء، إلا أن الواقع التشريعي لا يزال يعاني من قصور حاد. فالقوانين المحلية لا تجرّم العنف الأسري بشكل مباشر، كما أن إجراءات الطلاق، الحضانة، والميراث لا تزال تميز ضد النساء. إضافة إلى ذلك، فإن الأجهزة الأمنية والمؤسسات القضائية غالبًا ما تتعامل مع قضايا العنف من منظور تقليدي يُحمّل الضحية المسؤولية ويعزز الصمت.

الناشطة الحقوقية “ليلى الخطيب” من ريف حماة تقول:
“المرأة التي تتعرض للعنف لا تملك سوى خيارين: الصمت أو العار. في معظم القرى، الإبلاغ عن العنف قد يعني طردها من العائلة أو سحب أطفالها منها، فلا قانون يحميها ولا مجتمع ينصفها.”

جهود مجتمعية في مواجهة العنف

رغم الواقع القاتم، برزت خلال السنوات الأخيرة مبادرات نسوية ومجتمعية تسعى إلى التغيير. منظمات مثل “النساء الآن”، و”مساواة”، و”شبكة سوريات من أجل السلام” تعمل على تقديم جلسات دعم نفسي، تدريب قانوني، توعية مجتمعية، وإطلاق حملات للضغط من أجل إصلاح القوانين. ومع ذلك، فإن هذه المبادرات لا تزال تعمل ضمن بيئة محفوفة بالمخاطر، وتواجه تحديات التمويل والملاحقة الأمنية والوصمة المجتمعية.

دعوات إلى العدالة والتمكين

بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، أطلقت منظمات المجتمع المدني السورية حملة تحت شعار: “كرامتي مش ساكتة”، مطالبة بـ:

  1. سن قانون صريح لحماية النساء من العنف الأسري والجنسي.

  2. إنشاء مراكز دعم وإيواء آمنة للناجيات في جميع المحافظات.

  3. تدريب عناصر الشرطة والقضاء على كيفية التعامل مع قضايا العنف القائم على النوع.

  4. تعزيز تمثيل النساء في المجالس المحلية ومواقع القرار.

ن الحديث عن العنف ضد المرأة في سوريا ليس مجرد تناول لقصص فردية أو انتهاكات طارئة، بل هو غوص في بنية من الظلم والاستغلال والتمييز المتجذر. في هذا اليوم العالمي، لا يكفي التضامن الرمزي أو الإضاءة على المباني باللون البرتقالي، بل المطلوب هو تضامن حقيقي يبدأ من مساءلة الجناة، وتعديل القوانين، وتحرير أصوات النساء، وضمان حمايتهن، لأن سوريا الجديدة التي يحلم بها الجميع لا يمكن أن تُبنى على أنقاض أجساد النساء أو على صمت معاناتهن.

عبادة منصور- صحفي في تلفزيون سوريا

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR صحفيون من أجل حقوق الإنسان”

اكتشاف المزيد من بيانات سورية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading