على مدى أكثر من عقد، واجهت سوريا واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العصر الحديث، حيث غيّرت الحرب ملامح المجتمع وأعادت تشكيل أدوار أفراده. في خضم هذه التحولات، برزت المرأة السورية كعنصر أساسي في مواجهة التحديات اليومية وإعادة بناء الحياة، بعد أن تحولت من ضحية للنزاع إلى شريك فاعل في مرحلة التعافي.
في محافظة دير الزور، التي شهدت معارك عنيفة ونزوحاً واسعاً، تحكي نساء كثيرات قصص صمود وبحث عن الاستقرار.
تقول حسنة السالم، وهي من سكان المدينة، لنورث برس، إنها فقدت زوجها وأحد أبنائها خلال القصف: “قررت النزوح مع أطفالي الباقين إلى منطقة أكثر أماناً داخل المدينة. كانت الظروف صعبة جداً، وكان همي الأكبر حماية أطفالي وتوفير احتياجاتهم الأساسية رغم انعدام الموارد”.
مع مرور الوقت، وجدت حسنة في العمل وسيلة للبدء من جديد: “بدأت بخياطة الملابس داخل المنزل، وهي مهنتي القديمة. أسست مشروعاً صغيراً أواجه فيه صعوبات يومية، لكن إصراري يدفعني للاستمرار”.
وتضيف: “نحن لا نريد أن نبقى ضحايا، بل نطمح لأن نكون صانعات للتغيير. كثير من النساء أصبحن معيلات لأسرهن أو ناشطات في مجتمعاتهن، وما نحتاجه هو دعم مادي ومعنوي وتمكين حقيقي في مواقع صنع القرار”.
من جانبها، تروي عذراء الأحمد، وهي شابة من دير الزور، تجربتها مع التعليم والعمل خلال الحرب لنورث برس: “كنت في الخامسة عشرة عندما بدأت الأزمة، واضطررت للتوقف عن الدراسة بسبب النزوح وتدمير المدارس. لكنني التحقت لاحقاً بدورات تعليمية وتمكنت من الحصول على شهادة التعليم الأساسي، ثم تابعت دراستي في التمريض”.
وتتابع: “أعمل الآن في مشفى محلي وأشارك في برامج تدريبية. أؤمن أن إعادة بناء سوريا لا يمكن أن تتم دون مشاركة النساء، فهن الأكثر التزاماً في مشاريع الإعمار المجتمعي”.
أما أم حسين، كما عرفت عن نفسها، فهي عضو في لجنة المرأة بدير الزور، فتتحدث عن الجهود المؤسسية المبذولة لدعم النساء في مرحلة ما بعد الحرب: “نقوم في اللجنة بوضع برامج تهدف إلى تمكين النساء في مجالات مختلفة، ومعالجة الانتهاكات التي تعرضن لها خلال سنوات النزاع. نواجه تحديات كبيرة، أبرزها النظرة التقليدية لدور المرأة والظروف الاقتصادية الصعبة”.
وتوضح: “ننفذ برامج تدريب مهني وحرفي لدعم النساء اقتصادياً، ونسعى إلى تعزيز وعيهن القانوني والنفسي والاجتماعي بالتعاون مع منظمات محلية ودولية”.
ورغم الصعوبات، تشير هذه التجارب إلى أن المرأة في دير الزور أصبحت طرفاً أساسياً في عملية التعافي المجتمعي. فبعد سنوات الحرب، لم تعد مجرد متلقٍ للمعاناة، بل فاعلاً يسهم في إعادة بناء مجتمعه.
كما تقول حسنة السالم في ختام حديثها: “الحرب سرقت منا الكثير، لكننا ما زلنا هنا نحاول أن نصنع حياة جديدة من تحت الأنقاض”.
نورث برس


